التحقت ابنتي أميرة بمدرسة نظامية خاصة، بعد اختبار أجراه لها مدير المدرسة بنفسه. وبعد أن انتهى، قال لي شيئًا بقي عالقًا في ذاكرتي: "أميرة لا تفتقر إلى القدرات، بل على العكس، قد يكون زملاؤها هم المستفيدين من وجودها بينهم، لما تتمتع به من ذكاء، والحمد لله"

كانت أميره قد تأخرت عن الروضة لالتحاقها بمركز خاص بذوي الهمم قبلها، فكان من حسن حظها أن تجتمع مع أخيها في ذات الفصل ذلك العام. لم تكن رحلة البحث عن مدرسة لأميرة سهلة؛ فكثير من المدارس كانت ترفض استقبالها، كما هو الحال مع جل حالات التوحد.

في أحد الأيام سألتُ المعلمة عن وضع أميره الدراسي فقالت:

“أميره ممتازة”.

ثم سألتها عن عبدالرحمن، لكن إجابتها بدت مبهمة، حيث قالت:

«ممتاز... حين يكون طالبًا»

 ولما بدا على وجهي الذهول سارعت تشرح لي:

 "عبدالرحمن يتصرف كأنه أب، وليس كطالب. أغلب الوقت يعتني بأميرة. يُخرج لها كتبها، ويتأكد أنها أنهت المطلوب منها، ويتابع إن كانت قد أكلت غداءها، ويظل منتبهًا لها طيلة الوقت"

كم كانت هذه الحقيقة واضحة أمامي، وغائبة عني في الوقت نفسه.

عدت إلى المنزل وأنا أفكر طويلًا في ملاحظة المعلمة، حينها حاسبت نفسي كثيرًا، فقد كنت ألقي على طفل صغير بحملٍ أكبر من طاقته دون أن أشعر.

نعم، من الجميل أن نغرس في أبنائنا المحبة والمسؤولية تجاه إخوتهم، وأن نربيهم على ألا يروا اختلاف أخيهم أو أختهم سببًا للابتعاد عنه. لكن هناك فاصلاً دقيقًا جدًا بين أن نعلّم الطفل أن يحب أخاه ويرعاه، وبين أن نجعله مسؤولًا عنه.

ليس من حقنا، باسم المسؤولية، أن نسلب طفلًا طفولته.

ومن هذه المساحة، وفي أول مقال أكتبه على مدونة أوتاي، أريد أن ألفت النظر إلى فئة أعتقد أننا لا نتحدث عنها بما يكفي:  أشقاء ذوي التوحد.

هؤلاء الأطفال يعيشون رحلة التوحد معنا، دون أن يحملوا التشخيص ذاته.

هم يسمعون الصراخ، ويشهدون نوبات الغضب والانهيار، وقد يرون أخًا يؤذي نفسه أو يعتدي - دون قصد - على من حوله. قد يستيقظون ليلًا بسبب اضطرابات نوم أخيهم، أو تتغير خطط الأسرة في آخر لحظة، أو تنتهي نزهة كانوا ينتظرونها بسبب أزمة مفاجئة.

وأحيانًا يتعلم الطفل مبكرًا جدًا ألا يطلب، وألا يشتكي، لكي لا يزيد العبء على أمه وأبيه.

 

وقد يصبح رغماً عنه «الطفل المتفهم» في الأسرة؛ وهي صفة تبدو جميلةفي ظاهرها، لكنها قد تخفي وراءها طفلًا أدرك قبل أوانه أن احتياجاته تأتي في المرتبة الثانية.

لا أعتقد أن أي أم أو أب يعيش هذه الرحلة يستطيع أن يزعم أنه حقق التوازن دائمًا بين أبنائه. وأنا أول من يعترف بذلك.

ليس لأنه تقصير مقصود، بل لأن التوحد، خصوصًا في الحالات التي تحتاج إلى دعم كبير، قد يفرض على الأسرة واقعًا شديد القسوة: مواعيد، جلسات علاجية ، مدارس، تقييمات، قلق مستمر، أزمات سلوكية، اضطرابات نوم، وحتى مخاوف لا تنتهي بشأن المستقبل.

كيف نعيد شيئًا من التوازن؟

أكثر ما يحتاج إليه أشقاء ذوي التوحد هو الحق بممارسة طفولتهم.

ليس مطلوبًا من الأخ أن يكون معالجًا مساعدًا، ولا من الأخت أن تكون مراقبة دائمة، ولا ينبغي أن يصبح الطفل «الخطة البديلة» كلما احتجنا إلى شخص يراقب طفلنا التوحدي.

يمكنه أن يساعد، نعم. يمكنه أن يحب ويحمي ويشارك. لكن المسؤولية الأساسية تبقى مسؤولية البالغين. الذين يجب ألا يغفلوا عن حاجة الأخ أو الأخت إلى وقت خاص بهم وحدهم.

قد لا نستطيع دائمًا منح جميع أبنائنا الوقت نفسه، لكن يمكننا أن نمنح كل واحد منهم وقتًا و-إن كان قصيراً- يشعر خلاله بأن الأولوية في ذلك الوقت له وحده. نزهة قصيرة، حديث قبل النوم، غداءٌ أسبوعي، أو حتى نصف ساعة لا نتحدث فيها عن أخيه ولا عن علاجه ولا عن مشكلاته.

وقت يقول له دون كلمات : أنت مهم بالنسبة لي مثل أخيك تماماً.

ومن المهم كذلك أن نسمح لهم بالمشاعر التي قد نخاف نحن من سماعها.

قد يقول طفل: "أخي أصلا مزعج!"

أو: "أنا زعلان لأنه خرّب يوم ميلادي"

أو حتى: "تعبت منه!"

لا ينبغي أن نجعل الطفل يشعر بالذنب بسبب هذه المشاعر. يمكن للإنسان أن يحب أخاه بشدة، وفي الوقت نفسه يغضب منه أو يتعب من ظروفه. المشاعر المتناقضة لا تعني غياب الحب.

وفي الحالات الأصعب، حين يشاهد الطفل إيذاء النفس أو العنف أو الانهيارات المتكررة، لا يكفي أن نقول له: "أخوك ما يقصد".

دعونا لا ننسى أن هذا الطفل الغاضب قد شاهد شيئًا مخيفًا من وجهة نظره!

لذا يحتاج إلى أن نشرح له ما حدث بلغة تناسب سنه وإدراكه، وأن نطمئنه إلى أن سلامته هي مسؤوليتنا التي لا يمكن أن نفرط فيها، وأن نضع داخل المنزل خطة واضحة لما ينبغي عليه فعله أثناء الأزمة: أين يذهب؟ من الشخص البالغ الذي يلجأ إليه؟ ومتى يجب ألا يتدخل؟

إذ لا ينبغي لطفل أن يضع جسده بين أخيه الذي يمر بأزمة أو نوبة غضب وبين أحد أفراد الأسرة مثلاً.

والمسؤولية ليست مسؤولية الأسرة وحدها.

حان الوقت من وجهة نظري لنذهب أبعد من النصائح المقتصرة على الأمهات والآباء.

أشقاء ذوي التوحد يستحقون أن يصنفوا في فئة خاصة ينظر إليها بتمعن من قبل المدارس والمؤسسات الصحية والاجتماعية بوصفهم مخولين بجدارة لاستحقاق جزء من منظومة الدعم، لا مجرد أفراد موجودين في الخلفية.

قد يأخذ هذا الدعم أشكالاً مختلفة لا تتسبب لهم بالإحراج و لكنها تُقدَّم إليهم من خلال قنوات المتابعة في المدارس.

كما يمكن لذات المراكز التي تقدم خدمات العلاج للأطفال التوحديين أن تنظم نشاطات أو لقاءات جماعية لأشقاء ذوي التوحد. مثل هذه اللقاءات الدورية بإمكانها أن تتيح لهم مقابلة أطفال يعيشون التجربة نفسها. مما ينعكس أثره إيجاباً عليهم.

وقد لفت انتباهي أن برامج دعم الأسرة تقدم دورات كثيرة لتعليم الأهالي مهارات تأهلهم لخدمة أبنائهم التوحديين في حين يمكنهم إضافة جلسات إرشادية تساعد الوالدين على اكتشاف علامات الضغط النفسي لدى بقية الأبناء.

و أعود للمدارس، لأنها الأنسب لتقديم العون لأشقاء ذوي التوحد. أتمنى من وزارة التربية  تدريب الاخصائيين الاجتماعيين على فهم ظروف هؤلاء الطلاب، خصوصًا عندما تؤثر الأوضاع المنزلية على نومهم أو دراستهم أو حضورهم.

كما يمكن للجهات الحكومية والمجتمعية أن تدعم  تخفيض ساعات العمل للوالدين لكي يتمكنا من تقديم الرعاية لباقي أفراد الأسرة؛ لأن منح الوالدين ساعات عمل أقل، لا يريح الوالدين فقط، بل قد يمنحهما فرصة لقضاء وقت حقيقي مع بقية أبنائهما. و هو ما سيحدث فرقاً كبيراً، فنحن حين ندعم أسرة لديها طفل من ذوي التوحد، لا ندعم شخصًا واحدًا بل نحمي منظومة أسرية كاملة.

مرت سنوات على تلك الجملة التي قالتها المعلمة، لكنها ما زالت تعود إليّ:

«ممتاز... حين يكون طالبًا.»

أفكر فيها اليوم بطريقة مختلفة

لم تكن المعلمة تمدح عبدالرحمن فقط. كانت تحيل نظري إلى زاوية لم أكن لألتقطها بمفردي.

كان طفلًا صغيرًا يحب أخته إلى درجة أنه حمل جزءًا من مسؤوليتها على كتفيه دون أن يطلب منه أحد ذلك صراحة.

وكان دوري أن أقول له:

شكرًا لأنك تحبها

شكرًا لأنك تنتبه لها.

والآن اذهب والعب.

أريد لأبنائنا أن يكبروا وهم يحبون إخوتهم من ذوي التوحد، لا وهم يشعرون أن حياتهم رُهنت برعايتهم.

نريدهم أن يقفوا إلى جانبهم لأن بينهم علاقة أخوة ومحبة، لا لأنهم تربوا منذ طفولتهم على أنهم المسؤول القادم.

وربما علينا، نحن الآباء والأمهات، أن نسأل أنفسنا من حين إلى آخر سؤالًا بسيطًا:

بينما نبذل كل ما نستطيع لمساندة طفلنا ذي التوحد... من الذي يساند إخوته؟

أعتقد أن الإجابة يجب ألا تبقى مسؤولية الأسرة وحدها، وهذا أحد الحوارات التي أتمنى أن نفتحها هنا، في أوتاي.

 

 

عائشة الكعبي
مؤسس والرئيس التنفيذي – أوتاي