عن التوحّد والارتياب والتمييز المعادي للتوحّد والقائم على الإعاقة، الذي أسمّيه:
Autisive-reflex
بقلم الفنان و الكاتب : بوغدان جينسين
1.أنقذنا الوعي، ولم ينقذنا
قد تظن أنه مع ملايين المقاطع عن التوحّد، وبعد أن بذل صانعو المحتوى التوحّديون كل هذا الجهد والحكمة لنشر الوعي، سيصبح من الأسهل علينا، بديهياً، أن نخرج من القمقم و نفصح عن أنفسنا. وقد تحقق ذلك جزئياَ،
إلا أننا لم نصل كلياً لتلك المرحلة . ومهما أوحت وسائل التواصل الاجتماعي بعكس ذلك، فإنها لم تصبح واقعاً بعد.
2.المجاهرة، مرة أخرى
أفصحت لجيراني عن كوني توحّديًا، وكثير منهم لا ينظرون إليّ اليوم حتى. قد تظن أن برلين، إحدى أكثر مدن ألمانيا وأوروبا تقدّمًا، لن تعاني هذه المشكلة. لكنها لسوء الحظ تفعل.
لقد اضطررت في ألمانيا إلى الإفصاح عن كوني توحّديًا، ما دفعني إلى الإجابة عن أسئلة غير لائقة، أو بشكل أسوء: أن يُقال لي صراحةً إنني أكذب، أو إنني لا يمكن أن أكون توحّديًا أصلًا.
بلغ الأمر حد أن مؤسسات رسمية في ألمانيا رفضت تقديم دعم أو علاج أساسيين لأنني، في نظرها، لست توحّديًا بما يكفي حتى أحصل على تشخيص ألماني. ويبدو أن تشخيصي الرسمي من المملكة المتحدة لا يكفي. كما لو لم يكن التوحّد حالة معترفٌ بها دوليًا، بل صفة محلية تمنحها الأوراق الألمانية.
وفي هذه الأثناء، أنا هنا في ألمانيا على قائمة انتظار منذ أكثر من خمس سنوات للحصول على نسختهم من التشخيص نفسه. ومهما يكن، فإن ورقة حكومية لا تغير الحقائق. وتقييمهم لا يغيّر حياتي اليومية إلا قليلًا، ولا يجعل تعايشي و مواجهاتي اليومية أسهل.
للإفصاح عن التوحّد تكاليف باهظة. يبدو أن معظم الناس في ألمانيا اليوم يظنون أنهم لم يلتقوا أي شخص توحّدي. وهذا شبه مستحيل إحصائيًا. لكن لأن معظمنا لا يملك تشخيصًا، وكثيرين منا لا يدركون ذلك في أنفسهم أصلًا، يسود انطباع عام بأننا «مشكلة أمريكية»، لا واقعًا ألمانيًا
وهكذا يُقابل الإفصاح بالارتياب فورًا. إما أن تطابق الصورة الضيقة للتوحّد التي يعرفها الناس سلفًا — غير ناطق، ذو إعاقة ذهنية، ويفضّل أن يكون طفلًا — وإما أن تُعامل بوصفك شيئًا آخر تمامًا: غرابة، أو نابغة غريب الأطوار، أو أسوأ من ذلك، راكباً لموجة الموضة. وصف أحدهم التوحّد حرفيًا بأنه «تشخيص رائج»، مع أنني لا أرى كثيرًا من الناس يحصلون على التشخيص أصلًا، وأنا أقلهم.
3. الوصمة الجديدة هي عدم التصديق
حاولت مسبقاً أن أكون صادقًا بشأن تشخيصي فكتبته مرة في سيرتي الذاتية. كتبت: توحّد واضطراب فرط الحركة و تشتت الانتباه، وقمت بوصف إعاقتي وحدودي، لكنني وصفت أيضًا مكامن قوّتي: الميل إلى الهوس بالتفاصيل، وألّا أتوقّف حتى يمثّل العمل معاييري حقًا، وأن أحلّل الشيء نفسه من عشرات، وأحيانًا مئات، وجهات النظر. يُعرف الأشخاص التوحّديون بقدرتهم على العثور على الشقوق في أي نظام. قد تظن أن ذلك ميزة قيّمة في أي شركة مهما كان مجالها. و مع ذلك و باستثناء أماكن قليلة مثل "أوتيكون" فمن الذي يوظف غالباً موظفين توحديين ؟!
في ألمانيا على الأقل، فإن موضوع التوحد محاطٌ بمساحة من الصمت القاسي. قد يثير فضول البعض في البداية، وقد يحاولون استخدامه لتعزيز صورتهم بوصفهم متسامحين ومؤيدين للدمج، بل يقولون أشياء مثل: «لا بد أن فيّ شيئًا من التوحّد أيضًا!» لكن ما إن يتعلّق الأمر بالدمج العملي والتسهيلات حتى تُتَّهم بأنك "تستخدم تشخيصك للحصول على منافع". هذه ردود حرفية تلقيتها، ولا أزال أتلقاها شبه يوميًا. وُصف توحّدي بأنه كسل، وانتهازية، و«ميزة إضافية» — تخيّل ذلك — وكل هذا على ألسنة أشخاص أُوكلت إليهم فعليًا مسؤولية بناء عالم أكثر إنصافًا ومساعدة ذوي الإعاقة على معادلة أثر إعاقتهم بالدعم: جامعات، وأرباب عمل، ومقدمي خدمات اجتماعية، بل وأطباء نفسيون.
حتى وسائل التواصل الاجتماعي، وهي المساحة نفسها التي زادت الوعي، انقلبت علينا الآن بوضوح. بعد مقطع واحد لجلسة علاج لزوجين أحدهما رجل شُخّص بالتوحّد حديثًا، اشتعلت الإنترنت. بدأت عناوين مثل «تستخدم تشخيصك كسلاح» تظهر في كل مكان، وكان الحقد المحيط بها مقزّزًا، بأقل تقدير.
لم يكن هذا الرجل قد شُخّص إلا حديثًا، وكان بوسعك أن ترى سلوكه ينحدر إلى هلع خالص حين اتُّهم باستخدام هذه المعلومة الجديدة كما لو كان يريد اكتساب منفعة ما منها. لا أقول إن أحدًا لا يستطيع أو لن يستخدم تشخيصه سلاحًا، لكنني أقول إن استخدام تشخيصنا نفوذًا اجتماعيًا يشبه دخول الأولمبياد الاجتماعي ونحن بالكاد نحاول النجاة من حديث المجاملات.
يسارع غير التوحّديين إلى افتراض أننا سنسيء استخدام الدعم أو التسهيلات الممنوحة لنا بالطريقة التي قد يسيئون هم استخدامها لو أتيحت لهم الفرصة. لكننا لا نحتاج إلى هذه التسهيلات لنربح منها، بل لنحصل على فرص أكثر تكافؤًا.
4.التوعية من دون تسهيلات
يبدو أن هذه النظرة الغريبة، «كل الناس متساوون وأنا أعاملهم بالطريقة نفسها»، تفسد عقول الناس. فبدل أن يمدّوا لك يد العون، يرجّح أن تتلقى مرفقًا قاسيًا، لأن «الحياة صعبة»، فلماذا أساعدك؟ لمجرد أنك توحّدي؟ وما علاقة ذلك بأي شيء؟
بل يبدو أن هناك ثمة شعورًا بالفخر لدى البعض في عدم منح ذوي الإعاقة أية تسهيلات.
في برلين، رفضت "وحدة الخدمة الاجتماعية النفسية" المكلّفة بأصعب الحالات وأكثرها حساسية، ندائي اليائس للمساعدة وقالت: «اتصل بنا حين تصبح مشرّدًا»، مع أن هذا بالضبط ما يُفترض بها منعه، وهو السبب نفسه الذي دفعني إلى اللجوء إليها.
وثمة فرق خطير أيضًا بين التمييز المؤسسي — عدم الحصول على وظيفة أو شاغر في جامعة أو مبنى سكني — وبين التمييز الخاص: ألّا تُصدَّق أو تُدعَم أو تُفهَم أو تُرى. وكثيرًا ما يتداخلان، لأن أشياء تبدو «بسيطة» بالنسبة للغير قد تحتاج فعلًا إلى مساعدة خارجية بالنسبة لنا، من القدرة على تنظيم الذات إلى شراء البقالة. قال لي أحدهم: «أنا أيضًا لا أحب شراء البقالة، إذن لا بد أنني توحّدي!» فأجبت: " فقط إذا أصابتك نوبة هلع أمام رف الزبادي لأنك لا تفهم لماذا يوجد خمسمائة نسخة من الزبادي نفسه، كل ذلك بينما يصرخ المصباح داخل دماغك" عندها نعم.
يبدو أننا لا نفهم أو لا نقبل «ملفات القدرات غير المتجانسة»، كما سمّتها خبيرة التوحّد سارة هندركس، وهي من
شخصتني بالمناسبة. لكنني أزعم أننا نقبل هذه الملفات فعلًا، طالما كانت تتماشى مع الأنماط المقبولة اجتماعيًا فقط. فمن المقبول تمامًا، مثلًا، ألّا تكون جيدًا في الرياضيات أو في حساب ضرائبك أو عمليات المحاسبة الأخرى. ومن المقبول ألّا تجيد الرسم أو الغناء. فتخيّل لو أننا بنينا القبول الاجتماعي على هذه المقاييس ! حينها ستبدو الإعاقة مختلفة جدًا. لا تستطيع الغناء على النغمة، أو أسوأ من ذلك، لا تستطيع التناغم مع اللحن؟ ثمة مؤسسة نرسلك إليها لتجبرك على تعلّمه. لا تستطيع حل المعادلات التفاضلية في رأسك؟ لن تحصل على وظيفة أو شقة، فمن يستطيع الوثوق بشخص لا يحل الرياضيات التجريدية العليا ذهنيًا؟
وبالمثل، لست جيدًا في اللغة الاجتماعية؟ ليست لغتك الأم؟ فلماذا يثق بك أحد؟
5. الإعاقة الاجتماعية التي لا يفهمها أحد
يكاد يكون مذهلًا أننا، رغم أن القدرات الاجتماعية تتفوّق حتى على القدرات الفكرية، وأن المقياس الحقيقي للنجاح في المجتمع كثيرًا ما يكون مدى اجتماعيتك لا ذكائك أو موهبتك، لا نملك فهمًا حدسيًا تقريبًا لمعنى الإعاقة الاجتماعية.
يبدو أن الفهم الاجتماعي لدى غير التوحّديين يُبنى غالبًا من النبرة والتوقيت وتعبير الوجه والتلميح والمناخ العاطفي، ثم تأتي المعلومة. أما لدى الأشخاص التوحّديين، في تجربتي على الأقل، فالأمر يكاد يكون معكوسًا. تأتي المعلومة أولًا. والكلمات أولًا. والمحتوى الواقعي أولًا. أما الإشارات الاجتماعية، إن وصلت أصلًا، فتصل متأخرة أو خافتة أو بلغة ما زلنا نحاول ترجمتها.
قال عامل اجتماعي، وهو في الواقع العامل الاجتماعي الذي عُيّن لمساعدتي في النهاية، إن لدي «يدين وساقين»، ولم ير في ذلك شيئًا. كما لو كان الاكتئاب أو القلق المعطّل أو الاحتراق التوحّدي يُعالج بمجرد امتلاك اليدين. والأسوأ أنه رفض الاعتراف بالمشكلة أو الاعتذار عنها، ودافع عن افتقاره إلى الفهم والحساسية معللاً بأن عميلًا آخر لديه اضطراب ثنائي القطب استفاد من شدته وقسوته، وافترض أنني سأستفيد أيضًا، فلم يفعل سوى زيادة قلقي ويأسي.
كيف نفهم فورًا الإعاقة الفكرية والجسدية، وإلى حد ما النفسية، بينما لا نملك فهمًا تقريبًا للإعاقة الاجتماعية؟
إنها أهم صفة ينبغي امتلاكها أو ممارستها، ونحن نعدّها أمرًا مفروغًا منه؛ إلى حد أن فكرة عدم امتلاك شخص لها تبدو خيالًا علميًا.
وبالطبع تختلف القدرات الاجتماعية وتشكّل طيفًا خاصًا بها، لكن هذا وحده لا يجعل أحدًا «توحّديًا قليلًا». بل ينبغي أن يغذّي فهمنا وتعاطفنا تجاه من يفتقرون إلى هذه القدرة بالكامل، أو يملكون بالفعل نظام تشغيل مختلفًا تمامًا.
6. حين يُقرأ الضيق التوحّدي بوصفه تهديدًا
يبدو أن الناس يستجيبون بعنف أحيانًا حين لا يتلقون الاستجابة الاجتماعية المتوقعة أو سرعة التفاعل المرغوبة. فإذا تأخّرت في الإجابة عن سؤال مباشر، أو كان على وجهك «التعبير الخطأ» أثناء ذلك، يستولي الارتياب فورًا ويبدأ بالهيمنة على تواصلكما، وكأن المواجهة الاجتماعية، أي الإعاقة نفسها حرفيًا، لم تكن صعبة بما يكفي؛ فتجد نفسك الآن أيضًا أمام أصعب نسخة منها: الارتياب وعدم الثقة الخالصان.
في تجربتي وملاحظتي لنفسي وللآخرين خلال العقود الماضية، يميل الأشخاص التوحّديون في موقف اجتماعي صعب أو حتى شجار إلى أن يصبحوا «أكثر توحّدًا»، بينما يميل غير التوحّديين إلى أن يصبحوا «أكثر نمطية عصبية». ولا ينبغي أن يفاجئ ذلك أحدًا، ففي أوقات الضغط يصعب الحفاظ على التمويه الاجتماعي ونعود إلى أشكال وجودنا الأساسية والطبيعية. قد يعني ذلك لدى غير التوحّدي أن يصبح أكثر مطالبة اجتماعيًا وأكثر عاطفيًة أو بحثًا عن التصديق، بينما قد يصبح التوحّدي منغلقًا، وحذرًا وخائفًا وقلقًا.
تواصل ديناميكيات كثيرة كهذه التصاعد حتى قد تتدخّل الشرطة. وتظهر الدراسات فعلًا أن الأشخاص التوحّديين قد يحتكّون بالشرطة بدرجة كبيرة: فقد وجدت دراسة أمريكية ممثّلة على المستوى الوطني أن نحو واحد من كل خمسة شبّان توحّديين تعرّض بحلول سن الحادية والعشرين للإيقاف والاستجواب من الشرطة، وأن نحو 5% اعتُقلوا.
[1] ووجدت دراسة كندية للبالغين التوحّديين أن أكثر من ثلاثة أرباعهم خاضوا تفاعلًا واحدًا على الأقل مع الشرطة، وأفاد 53% منهم بأربعة تفاعلات أو أكثر.
[2] هذا النمط ليس وهمًا؛ فكثيرًا ما يوضع الضيق التوحّدي مباشرةً في مجابهة مع السلطة. أما في ألمانيا فلم تُجرَ إلا أبحاث أوسع عن التمييز الشرطي، وتشير إلى فجوات كبيرة في البيانات، ومنها ما يتعلّق بالإعاقة.
[3] لذلك ربما لا ننظر إلى المسألة بما يكفي لأننا لا نزال نعاملها، مرة أخرى، بوصفها «مشكلة أمريكية»
أنا شخصياً قد تعرضت للحجز من قبل موظفو دائرة الأمن و النظام، حيث أمسكوا بحقيبة ظهري ولم يسمحوا لي بالمغادرة حتى وصلت الشرطة. لدي تسجيل للواقعة. ولم تكن لديهم أي سلطة قانونية لفعل ذلك.
كنت بحلول ذلك الوقت في خضم نوبة هلع، وقد استخدم الموظفون العموميون حجة سلوكي غير المألوف كدليل على ضرورة السيطرة عليّ. حدث كل ذلك لأنني كنت أدرّب كلبي المساعد، فقرّروا تحويل نزاع حول مقود الكلب إلى استعراض للسلطة.
لم يأبه أي منهم بتبريراتي . احتُجزت في مكاني كمجرم وفُرضت عليّ غرامة. وكتبت الشرطة تقريرًا لصالح زملائها.
حتى محاولتي الاعتراض على الغرامة رُفضت بالروح نفسها: كما لو كنت أحاول الإفلات من شيء، بدل محاولة شرح واقع إعاقتي وحقيقة أن كلبي كان السبب الوحيد الذي مكّنني من مغادرة المنزل أصلًا.
7. تسمية الشيء
أتمنّى لو كنت حالة منفردة. لو كان الأمر مجرد حظي السيئ، أو وجهي، أو تراجع عطارد. لكنه مع الأسف ليس كذلك. ولست وحدي على الإطلاق. من التعليم العالي إلى قابلية التوظيف، وصولًا إلى الاحتجاز لمجرد الاختلاف، هذه ليست إحصاءات فحسب. هذه حياتنا.
وكل شخص ينتمي إلى أي فئة مهمّشة سيعرف تمامًا ما يعنيه ذلك: ما هو التمييز، وكيف يكون شعوره، وكيف قد يدفعك أحيانًا إلى اليأس.
لكن على خلاف معظم الفئات المهمّشة الأخرى، لا تحيط بالأشخاص التوحّديين مجتمعات تحميهم فعلًا، على الأقل ليس إلى المدى الذي يمكن قياسه.
نعم، ثمة قدر من الحراك من أجل الإعاقة، لكنه يركّز عادةً على الإعاقات الجسدية لا النفسية. ونعم، توجد كل هذه المقاطع على الإنترنت وبعض مجموعات الفيسبوك، لكن الأمر بصراحة يشبه أن نتوقع من مجموعة من الأشخاص الذين يستخدمون الكراسي المتحركة أن يبنوا سلالماً بأنفسهم لمجرد أن لديهم الإنترنت ، لا تستطيع المجموعات الاجتماعية التي يقودها توحّديون أو المخصصة لهم وحدهم أن تنشئ المساحات التي نحتاج إليها بشدة فيما بالكاد يحافظ كل شخص منهم على حياته بصعوبة ولا يملك بناء مفاهيم شاملة لكل أشكال التوحّد.
وفي هذه الأثناء، ساعد التلفزيون على جعل التمييز ضد السمات التوحّدية مقبولًا. ليس فقط بتحويل الأشخاص التوحّديين والمتباينين عصبيًا إلى صور نمطية، بل بجعل التنمّر على السلوك المتباين عصبيًا يبدو مضحكًا ومألوفًا، بل وكأنه مستحق. لا تكون النكتة عنّا في أحيان كثيرة، بل علينا.
في مسلسل ( ذا أوفيس) مثلا لا يكون دوايت مجرد شخصية غريبة الأطوار تتعرّض للمضايقة أحيانًا؛ بل يصبح التهكّم المتكرر على محدوديته المشفرة بوضوح بوصفها توحّدية، وتصحيحها واستدراجه وإذلاله ومعاقبته، أحد المحرّكات الكوميدية الأساسية للمسلسل.
وهذا بالضبط ما يجعل تسمية التمييز صعبة: إنه في كل مكان، لكنه طُبّع حتى يمر بوصفه فكاهة أو صراحة أو نفاد صبر أو حتى "فطرة سليمة".
وتُظهر الأبحاث عن وصمة التوحّد أيضًا أن البالغين غير التوحّديين قد يحملون تحيّزات صريحة وضمنية تجاه التوحّد، وأن بعض الارتباطات الضمنية تبقى حتى بعد التدريب على القبول..[4]
لذلك يجب تسميته بوضوح:
أرغب في تسميته
autisive-reflex
التمييز المعادي للتوحّد القائم على الإعاقة؛ البنية التي تحوّل الاختلاف التوحّدي إلى ارتياب، وتأخير، ورفض وعقاب.
هو ليس مجرد تحيّز فردي. إنه منظومة عدم التصديق والتطفيل والإقصاء والارتياب المؤسسي الموجّهة إلى الأشخاص التوحّديين. وحركته الأولى هي انعكاس الارتياب: اللحظة التي يُقرأ فيها الضيق أو الاختلاف التوحّدي بوصفه خداعًا، أو استحقاقًا متعاليًا ،أو خطرًا، أو تحدّيًا.
أسمّي هذه البنية تمييزا معاديا للتوحد حين تتبع نمطًا يمكن التعرّف إليه: المطالبة بدليل مستحيل، وقلب التسهيلات إلى «معاملة خاصة»، وفخ الولدنة – أو محاولة معاملتك كطفل-، ومعاقبة اختلال التنظيم، ورفض الاعتراف بالضيق التوحّدي حتى يصبح أزمة. ليس كل سوء فهم تمييزا ضد التوحد لكن حين يتصلّب سوء الفهم إلى ارتياب أو إقصاء أو عقاب مؤسسي، يصبح جزءًا من التمييز المعادي للتوحد الأشمل.
8. الخاتمة: غياب الوعي المؤسسي
يبدو أن المشكلة الأساسية هي أن لدينا مقاييس مختلفة جذريًا للفهم
في دراسة حول التواصل العاطفي والموقفي، اقترح بروفيسور علم النفس الأمريكي مهرابيان وزملاؤه على نحو مشهور أن الكلمات قد تمثّل جزءًا صغيرًا فقط من الطريقة التي يُفسَّر بها المعنى اجتماعيًا، بينما تحمل النبرة وتعبيرات الوجه وسائر الإشارات غير اللفظية قدرًا أكبر بكثير من الرسالة العاطفية.
[5] وهذا بالضبط هو العالم الذي يُتوقّع من الأشخاص التوحّديين النجاة فيه: عالم قد يكون فيه المحتوى الواقعي لما نقوله أقل أهمية من النبرة والتوقيت والوجه والوضعية والأجواء المحيطة به.
بالنسبة إلى غير التوحّديين، يبدو التواصل غالبًا وكأنه يعمل بنسبة تقارب 90% من الإشارات الاجتماعية و10% من المعلومات. أما لدى الأشخاص التوحّديين، فغالبًا ما يكون العكس تقريبًا: 90% من المعلومات اللفظية أو الواقعية و10% من الإشارات الاجتماعية، إن بلغت ذلك أصلًا. فلا عجب أننا لا نتفاهم حقًا. وكلما ازداد الموقف ضغطًا، بدأت تلك العشرة في المئة المتبقية، أي الخيط الضيق والدقيق إلى حد الاستحالة الذي يصلنا، بالاختفاء.
لهذا تعد دراسة «الهمس الصيني» التي أجراها كرومبتون وزملاؤه من الأهمية بمكان. فقد وجدت أن الأشخاص التوحّديين نقلوا المعلومات إلى توحّديين آخرين بالفاعلية نفسها التي نقل بها غير التوحّديين المعلومات إلى أمثالهم. وظهرت المشكلة أوضح ما يكون في المجموعات المختلطة، حيث اصطدمت أنماط التواصل التوحّدية وغير التوحّدية. وضعف نقل المعلومات.[6] بعبارة أخرى، لا تكمن الصعوبة ببساطة داخل الأشخاص التوحّديين، بل تظهر في المسافة بيننا.
ولا يكاد يوجد وعي بهذا. وأقصد تحديدًا الوعي المؤسسي.
لا تُجرى تدريبات جادّة ولا إرشادات حقيقية ولا تثقيف بنيوي. على سبيل المثال لم تتمكّن جامعتي - خلال عشر سنوات -من إنشاء أي شكل ذي معنى من التسهيلات لاحتياجاتي. وصفت احتياجاتي بأنها «مزايا إضافية» ستكون غير عادلة للطلاب الآخرين، أو مستحيلة تمامًا، حين طلبت تسجيلات فيديو للمحاضرات. وحتى حين جاء إغلاق كوفيد وأُجبروا على تسجيل المحاضرات، وجدوا طرائق جديدة لجعلها غير متاحة لنا، ثم عادوا بعد فترة وجيزة إلى عدم تسجيلها إطلاقًا.
كانت «الحجة» المهيمنة في كل هذه المواقف: «لا يمكننا تلبية احتياجات كل مشارك! هذا مستحيل.» لكن الأشخاص التوحّديين ليسوا نزوة ولا تفضيلًا، بل إعاقة بحسب تصميم المجتمع وتعريفه. وتلبية احتياجاتنا ليست عملية لا تنتهي. وكما في احتياجات ذوي الإعاقة الجسدية، يمكن لعدد قليل من التسهيلات أن تقطع شوطًا بعيدًا بعدد كبير جدًا من الناس.
إن كان هذا المقال سينجح في شيء واحد، فليكن هذا: لا تدع انتشار بعض المقاطع أو شعور الوعي بالتوحّد يحجب عنك الواقع. الأمر ليس رومانسيًا. ففي نهاية الطريق، حين تستنفذ كل السبل، نكون في الواقع في وضع شديد الحرمان. ثمة تمييز نشط ومحدّد ضد الأشخاص التوحّديين. والقدرة الاجتماعية أهم مما تخيّلت يومًا.
لذلك، إذا أردت مساعدة أصدقائك التوحّديين، فاسألهم: هل أكتب رسالة بريد إلكتروني نيابة عنك؟ هل نجري مكالمة هاتفية معًا، أو أجريها عنك؟ هل تريد مساعدتي في صياغة رد إلى مديرك، أو مالك منزلك ،أو جامعتك أو طبيبك أو حتى ضابط شرطة؟ ربما أساؤوا فهم مقصدك. هل تريدني أن أرافقك إلى ذلك الموعد؟[7][8][9]
قد تبدو هذه أمورًا صغيرة لشخص ذي قدرة اجتماعية، لكنها قد تكون شديدة الصعوبة لنا. ليس لأننا عاجزون، بل لأن المطلب الاجتماعي المرتبط بها قد يكون هائلًا. ونحن نقوم بها فعلًا، لكن كما في أي إعاقة أخرى، قد يستغرق إنجازها وقتًا طويلًا جدًا، وحتى عندها ربما لا يكون بالمستوى نفسه الذي يحقّقه شخص أكثر قدرة. خمس دقائق من حياتك قد تعني لنا أسابيع أو أشهر.
نبذة عن الكاتب :
بوغدان جينسين فنان وكاتب روماني المولد، مقيم في برلين. تشمل خلفيته عدة تخصصات، منها العمارة، والرياضيات، والباليه، والموسيقى. تتشعب ممارسته بين الرسم والتخطيط والنحت والكتابة والأعمال التركيبية، مع تركيز خاص على فن البورتريه والجسد الإنساني. يستكشف من خلال أعماله الذاكرة والإدراك، والإعاقة، والكرامة، والإنسانية.
وبصفته فناناً توحّدياً، يهتم بشكل خاص بالأشخاص واللقاءات التي غالباً ما يتم تجاهلها، وبإيجاد سبل لجعلها مرئية من خلال الفن والكتابة.

